أحمد محمد المغيني

30

الاعجاز القرآني في فواتح السور وخواتمها

وهكذا يعطي الحديث الإشارة تلو الإشارة ، حتى يرفع المرء الغشاوة عن عينيه وعقله . ومع هذا كان صلى اللّه عليه وسلم ينثر البشرى كعطر الزهر على أصحابه تجديدا لنشاطهم وحفزا لهممهم ، يقول لأصحابه : « الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك فعله ، والنار مثل ذلك ، ( رواه البخاري ) ، بمعنى أن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء . ثم يعود محذرا ومشفق على أمته قائلا صلى اللّه عليه وسلم : « حجبت النار بالشهوات ، وحجبت الجنة بالمكاره » ( رواه البخاري ) . وقد ورد إيضاح لهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم يقول صلى اللّه عليه وسلم : « لما خلق اللّه الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال : انظر إليها ، قال : فرجع إليه فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فأمر بها فحفت بالمكاره ، فقال : ارجع إليها ، فرجع فقال : وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد ، قال : اذهب إلى النار فانظر إليها ، فرجع فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فأمر بها فحفت بالشهوات فقال : ارجع إليها ، فرجع فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد » ( فتح الباري باب الرقاق ) . وهكذا يوضح هذا الحديث ما قبله ، وفيه من صناعة البديع : مقابلة المكاره وهي مجاهد النفس بالشهوات التي تميل إليها ، والطاعة الموصلة إلى الجنة بالمعصية المقربة إلى النار . وهذا يدل دلالة واضحة على أنه صلى اللّه عليه وسلم الهادي البشير كان أشد حرصا على أمانة تبليغ الدعوة ، ووصولها سهلة ميسرة إلى قلوب الناس ، ولم يكن معنتا بل كان معلما ميسرا عليه أفضل الصلاة والسلام .